بسم الله الرحمان الرحيم
للأحسن نســـعى بالفــعل لا بالقــول متميزون...
اخبار دينيه

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
طالعت عدة قراءات في وصف السيول المتعاقبة الأخيرة في السعودية ومصر وما خلفته من ويلات ، هل كانت غضبا وانتقاما من الله أم كانت من الابتلاء الذي يصيب المؤمن فيكفر عنه سيئاته ويرفع درجاته، كما رأيت استحثاثا إعلاميا للخطاب الديني أن يقول كلمته في هذا السياق حتى من الأوساط الإعلامية التي تعمل على إزاحة الخطاب الديني عن التدخل في توجيه مناشط الحياة العامة!!!
وغلب على بعض القراءات الدينية لهذه الظاهرة الجانب المنطقي والفلسفي لترسم الحدود الفاصلة بين الانتقام والابتلاء، وقد تجلى هذا المشهد بكل تفاصيله في غير ظاهرة كونية، منها مثلا الزلزال الذي ضرب مصر عام 1992م، وسونامي أندونيسيا وغيرها من الظواهر الكونية الكبيرة ، التي تدمر العمران وتحصد الأرواح وتهلك الحرث والنسل، ولعل آخرها الآن زلزال هاييتي وسيول مصر.
والذي يظهر لي واضحا أن هذه التعمقات والتشقيقات كانت في غير موضعها تماما ، وأن الأمر أسهل من ذلك بكثير . ولنعد إلى أصل الموضوع، لماذا هذا الإصرار على تصنيف هذه الظواهر الكونية؟ ما الأحكام العملية التي ستترتب على هذا التصنيف؟ والجواب على هذا السؤال مهم جدا؛ إذ إنه تمهد في هذه الشريعة أن كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا . والإجابات المقنعة هنا ، تتجلى في أنه سيترتب على هذا التصنيف الأمور الآتية:
1-أن تصنيف هذه الظواهر سيكون مقياساعلى مدى رضا الله عز وجل عن العباد وأفعالهم، فإذا وصلنا إلى أن هذه الظواهر عقوبات ربانية سارع العبد إلى التوبة والإصلاح وعرف أنه مقصر في حق الله مستوجب للتوبة.
2- اطمئنان العبد على حاله مع الله، فإن وصل إلى أنها ابتلاءاتلرفع الدرجات وتكفير السيئات وأنها ليست عقوبات وصل إلى حالة من الرضا عن النفس ، أو خفف من جلدها ومحاسبتها عن التقصير والتفريط.
3-التفكير في تخفيف حدة محاسبة المقصرين احتجاجا بقدر الله ونفاذه!!!
أما النقطة الثالثة، فإن كان أحد يفكر فيها بالفعل فهذا يدل على أنه بعد لم يفهم معنى القضاء والقدر والإيمان بهما وما يترتب على ذلك، يقول العلامة ابن القيم – رحمه الله-:
"... الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع ، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة .
يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا علي قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن فأنبه مؤنب عليه ولامه، فسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول :هذا أمر كان قد قدر على قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ،ولا محذور في الاحتجاج به.
وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به، ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا". انتهى نقلا عن شفاء العليل.
وأما عن الإجابة الثانية ، فإنه ينبغي للمؤمن أن يرهف حسه وتقوى حساسيته الإيمانية حتى يرد كل شيء إلى تقصيره في حق الله ويشعر أن الله يعاقبه بأقدار تؤلمه وتؤذيه، فإنه إن فعل ذلك كان سريع اللجأ إلى ربه قريب الصلة به شديد المحاسبة لنفسه، على نحو ما أثر عن بعض السلف من قوله : "إني لأعرف شؤم معصيتي في خلق زوجتي ودابتي"وقول عبد الله بن عباس :" إن للحسنة نورا في القلب،وزينة في الوجه،وقوة في البدن،وسعة في الرزق،ومحبة في قلوب الخلق،وإن للسيئة ظلمة في القلب،وشينا في الوجه، ووهنا في البدن، ونقصا في الرزق،وبغضة في قلوب الخلق".
وقول أنس بن مالك: " إن الضب في جحره يموت هزلاً بذنب ابن آدم "
وقول أبي هريرة :"إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم "
وقول مجاهد :"إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر وتقول : هذا بشؤم معصية ابن آدم "
وكما حدث لمحمد بن سيرين، فمعروف من سيرته أنه ركبته الديون حتى أفلس، بل وسجن في بعض الديون عليه، فرد إفلاسه إلى المعصية فقال : "قلت لرجل : يا مفلس فأفلست .
وفي إحياء علوم الدين :"قال الدورقي وسمعت رجلا من أهل أصبهان يحدث عن عبد الرحمن بن مهدي قال كتب أخو محمد بن يوسف إلى محمد ابن يوسف يشكو إليه جور العمال فكتب إليه يا أخي بلغني كتابك تذكر ماأنتم فيه وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة وما أرى ما أنتم فيه إلا شؤم الذنوب".
وقيل لمالك بن دينار:ادع لنا ربك فقال: إنكم تستبطئون المطر، وأنا أستبطىء الحجارة. يقصد أنهم بمعاصيهم أحرى بأن يرجموا بحجارة من سماء لا بقطر الماء!!!
وهذه ليست دعوة صوفية إلى ترك التفكير في الأسباب المادية المباشرةالتي أدت إلى وقوع المشكلة ومن ثم العمل على إزالتها، ولكنها دعوة مع ذلك إلى التفكير في سبب تقدير الله لهذه المعوقات . فيعود إلى ربه بإصلاح ما أفسد، ويزيل المعوقات المادية أيضا بما أقدره الله من أسباب.
وأما عن الإجابة الأولى، وهي أن الحاجة ماسة للتصنيف لتكون مقياسا على مدى رضا الله عز وجل عن العباد وأفعالهم ، فإذا وصلنا إلى أن هذه الظواهر عقوبات ربانية سارع العبد إلى التوبة والإصلاح وعرف أنه مقصر في حق الله مستوجب للتوبة.
فإن هذا ليس هو منهج القرآن في فلسفة التوبة، فقد أمر الله عباده جميعا بالتوبة في كل وقت وعلى كل حال، قال تعالى: " وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[النور : 31]، بل قسم القرآن الناس قسمين تائبا وظالما، ولا ثالث بينهما ، قال الله تعالى : " وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات : 11]، يقول العلامة ابن القيم: